القائمة الرئيسية

الصفحات

التربية الصوفية و أثرها في السلوك

 إن الحياة الطيبة ما كانت في ظلال العقيدة، مصداقا لقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الأنعام / الآية 162.

و أن كل خروج عن الهدي يكون صاحبه غير مأمون العواقب، لذلك استرعي انتباهنا حال الأمة الإسلامية التي وصفها الله بالخيرية، ومنحها الشهادة على الناس فقال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران / الآية 110.

و قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة / الآية 143.

ولكن حال هذه الأمة، بلغ مستوى من التردي جعل الأمم شاهدة عليها. فما سر تخلفها وانحدارها بعد أن كانت في الرعيل الأول أمة تقود العالم, وتمده بكل خير وسعادة. 

التربية الصوفية و أثرها في السلوك

هذا التساؤل دفعنا إلى مواصلة البحث بغية العثور على مكمن الداء وموضع الخلل، فأعـدنـا القراءة بتأن السيرة النبي - صلى الله عليه و سلم- و نظرنا في بعض المصادر العقدية وما فيها من شعب الإيمان، ومناقب الصحابة والتابعين. 

فاتضح لنا أن الرسول – عليـه الصلاة السلام كان خلقه القرآن، و بذلك وصفته أم المؤمنين عائشة فعلم الصحابة ورباهم على هديه كان الواحد منهم يقرأ عشرا من الآيات فلا يتجاوزها حتى يعمل بها, فورثوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم – العلم والعمل نقلوا منهجه إلى التابعين لهم، فسادوا بذلك العالم أينما حلوا وارتحلوا. 

"حتى كانت نهاية القرن الثاني الهجري، وقد اتسعت رقعة الخلافة وتعددت الملل والنحل، وعمت البلوى بكثرة الإقبال على الدنيا، بدأت شعلة الإيمان تخفت و تتضاءل حتى أصبح يطلق على أهل الإلتزام بالدين والإعراض عن الدنيا اسم العباد والزهاد. ومع مرور الزمن أضحت تعرف هذه الجماعة من الناس بالصوفية، وتشكل لها مذهب له ضوابطه ومميزاته"، كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته.

الصوفية هم المتمسكون بالدين والملتزمون بتعاليمه "شريعة، وعقيدة، وأخلاقا". فكان منهم العلماء الجهابذة في مختلف ميادين العلم من طب، وفلك، وأصول، وفقه وتفسير وحـديـث مـن أمثال: الحسن البصري، والفارابي، وجابر ابن حيان، والغزالي، والألوسي وغيرهم كثير. 

كان التصوف بعد عهد الصحابة والتابعين مورد عطاء، ومنبع سخاء فكثرت الكتابات فيه: "تأصيلا، وتفريعا، مثل ما فعل السهروردي في كتابه: عوارف المعارف، وشرح المقاصد للتفتزاني واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي، و طبقات الشعراني، والإحياء للغزالي. 

إن مجال التصوف واسع، يزخر بالكثير من المراجع و المصادر التي تناولت موضوع التصوف بالبحث : "شرحا، وتحليلا، وتعليقا، وقعدت فيه الكثير من النظريات... وتنوعت في وضع الرموز والإشارات والمصطلحات التي لا يفقه كنهها ولا يدرك سرها إلا الراسخون في العلم الرباني" كما جاء في كتاب الإحياء للغزالي. 

لذلك فإنه يصعب على الباحث الفتي أن يحقق المقصود من هذا الكم الهائل من المصنفات، فالصعوبة إذن تكمن في كثرة المؤلفات لا في ندرتها وقلتها.

أهمية التربية

و للتربية أهمية بالغة التأثير في حياة الفرد والمجتمع، ويمكننا أن نلخصها في العناصر الآتية : 

1 - قابلية الإنسان باعتباره كائنا حيا للنمو والتكييف والتأقلم مع البيئـة الإجتماعية والطبيعية التي يعيش فيها. فمن الملاحظات البسيطة والمألوفة أننا نشاهد الكائنات الحية نباتا، أوحيوانا، يطرأ عليها في كل يوم، بل وفي كل لحظة مظاهر من التغيير، إما بزيادة أو بنقصان. وكثير منا من حاول في وقت من الأوقات أن يضع "بذرة" في حوض به تربة أو يضع فرعا صغيرا من شجرة زهرية ثم يتعهده بالري يوما بعد يوم، فإذا بهذه البذرة الضئيلة، وهذا الفرع الصغير قد استحال إلى شجيرة صغيرة، يلاحظ الإنسان نموها يوما بعد يوم حتى تؤتي أكلها بعد حين، وكثيرا ما يحدث أن يغفل هذا الإنسان عن الشجيرة الصغيرة، فلا يداوم على سقيها ولا يعتني بتقليب تربتها، فإذا بها تذبل و ينحني عودها و يجف ورقها والإنسان و هو أرقى الكائنات الحية له القابلية الفطرية للتغيير، زيادة ونقصا. 

2 - الظروف "الداخلية والخارجية" التي يمر بها الإنسان والمقصود بالظروف الداخلية: عوامل الوراثة، أو عوامل الفطرة التي يولد الإنسان مزودا بها، وبالظروف الخارجية: عوامل البيئة الطبيعية، والإجتماعية والإقتصادية والثقافية، وغيرها مما يحيط بالفرد ويؤثر فيـه تأثيرات مختلفة. ويشترك الإنسـان مـع بقيـة الكائنات الحيـة في القـدرة علـى التشكل والتكييف مع البيئة الخارجية حسب مقتضيات الحال، يأخذ منها كما يعطى لها، ولا يستطيع الفرد كائنا ما كان أن يعيش بمفرده مستغنيا عن الجماعة. ولعل هذا ما قصده ابن خلدون بقوله: "الإنسان مدني بطبعه ". أي ميال إلى الاجتماع بالغير والحياة في معيشة مشتركة. وعليه نستخلص مما سبق: أن التربية هي عملية إحداث تغيير في شخصية الفرد بحيث يؤدي هذا التغيير إلى تشكيل الشخصية ونموها في شتى الجوانب وفي الطريق المرغوب فيه فرديا واجتماعيا. كما أنها، أي التربية: ضرورة اجتماعية، فلا بد أن يكون الفرد عضوا نافعا في المجتمع الذي يعيش فيه، يتفاعل معه ويأخذ منه ويعطيه، كما يسهم في بنائه وتطوره، وأنها تظل . معه طوال حياته، طالما كان مستمرا في تفاعله مع الحياة.

من هنا كانت وظيفة التربية وظيفة جليلة، يتوقف تحقيقها على مدى وعي المربي وإدراكه لأهـداف رسالته. مـن أجـل ذلك جعل الغزالي للمربي أو المرشد أو المعلم وظائف عـدة فقال : "وظيفة المعلم الأولى الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم محرى أهل بيته لقوله- عليه السلام: ( إنما أنا لكم مثل الوالد لولده ) بأن يقصد انقاذهم من نار الآخرة وهو أهم من انقاذ الوالدين لولدهما من نار الدنيا" وهو يلخصها فيما يلي : 
  • الشفقة والرفق: أي يأخذ مريده ويحنو عليه حنو الوالد على ولده فيتدرج يشتد ويقوى.
  • أن يقصد انقاذه النار، أي يجنبه كل فعل يقربه من النار.
ولذا صار حق المعلم أو الشيخ أعظم من حق الوالدين للصلب، فإن الوالد سبب الوجود الحاضر في الحياة الفانية، والمعلم سبب الإعداد للحياة الباقية قال تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . و لولا المعلم لانساق ما حصل من الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما المعلم هـ الموجه والدال على الخير المفيد للحياة الباقية الدائمة، يستوي في ذلك معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا بنيـة العمـل ورجـاء الثواب في الآخرة، حتى يحصـل بـيـن الـطـلاب و التعاون بعيدا عن الحسد والتباغض الذي هو سمة مطالب الدنيا والتناحر عليها.

3 - أن يراعي خصائصه الفطرية وهي أهم مبادئ التربية، وذلك بمراعاة المستوى العقلي للطالب فلا يكلفه مالا طاقة له به و ذلك اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم – (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم).أي فلا نعطيهم من المعارف إلا ما يمكنهم استيعابه، فقـد قـال عـلـي – رضي عنه - وهو يشير إلى صدره: " إن هنـا لعلـوم جمـة لـووجـدت لهـا حملـة ". فهو يعني أن قلـوب الأبرار قلـوب الأسرار، فلا ينبغي أن يفشي المعلم كل ما يعلم إلى كل احد، هذا إن كان يفهمه المتعلم. فكيف فيما لا يفهمه، و قال عيسى - عليه السلام: " لا تعلق الجواهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهرة، ومن كرهها فهو شر من الخنازير.

أهداف التربية

إن لكل جهد واع ومسئول هدفا معينا ومميزا، والتربية هي أعظم مجهود إنساني يتوقف عليه استشراف مستقبل الفرد والمجتمع، ومن ثم كانت رسالة المربي مقرونة برسالة الأنبيـاء والرسل، وإلا جاءت على يده البصائر حولا. ونذكر من هذه الأهداف ما يلي: 
  1. إعداد الفرد إعدادا روحيا يقربه من الله تعالى.
  2. الاستعداد للحياة الأخروية بما يقدمه من صالح الأعمال.
  3. إعداده بما يجعله أن يكون نافعا ومؤثرا في مجتمعه.
وعليه فكل تربية تهدف إلى تحقيق هذه الغايات فهي التربية المنشودة عند الغزالي، لذلك نجده يدعو إلى التربية الدينية التي قوامها الخشونة والتقشف والابتعاد عن ملذات الدنيا البدنية منها كالطعام الجيد واللباس الجميل والفراش الوثير، لاعتقاده أن إعداد النشء للدنيا يؤدي إلى التحاسد والتباغض و الهلاك. وعليه فإنه يمكننا إن نستخلص مما بينه حجة الإسلام الإمام الغزالي - باعتباره من أعلام الصوفية - من مراحل التربية وأهدافها وغاياتها، أنها أي التربية:
  • بمثابة القاسم المشترك بين مختلف المريدين السالكين لأي نهج قويم.
  • و كلما كانت المناهج فيها محكمة، والأهداف واضحة، والنوايا صادقة، جاءت ثمارها يانعة.
إن الطالب لمراد الصوفية إذا كان صادق العزم، وهو يتلقى إرشادات شيخه، ويسمع نصحه, ويتفانى في تجسيد ذلك ميدانيا ملتزما بأداء أوراده من الأذكار والعبادات وحسن المعاملات، كان حقا مدركا لمرامي التصوف التي وصف الله بها نبيه الكريم فقال جل من
قائل: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ).

تعليقات

جدول المحتويات