تعتبر المؤسسة الاقتصادية كل تنظيم اقتصادي مستقل ماليا في إطار قـانوني واجتماعي معين هدفه دمج عوامل الإنتاج من أجل الإنتاج أو تبادل السلع أو الخدمات مع أعوان اقتصاديين.
والجزائر كغيرها من بلدان العالم الثالث اهتمت بالمؤسسة الاقتصادية وأولتها اهتماما كبيرا خاصة بعد الاستقلال حيث كان الاعتمـاد الكلـي علـى المؤسسـات العمومية كأداة من أجل تحقيق التنمية واعتبرت رمز التصنيع والتطور التكنولـوجي والنمو الاقتصادي والاجتماعي غير أن هناك تغيرات وتحولات طرأت علـى هـذه المؤسسة العمومية في الجزائر فمن مرحلة التسيير الذاتي التي امتدت إلى 1965 إلى مرحلة التسيير الاشتراكي أي الانتقال من المؤسسة العامـة إلـى شـكل المؤسسـة الاشتراكية التي امتدت من 1971 إلى 1980 وكان هذا باعثا على ضـرورة إيجـاد صيغة لتجسيد المشاركة الفعالة في التسيير لتنتقل المؤسسة إلى إعادة الهيكلة العضوية ،تمثلت هذه العملية في تفكيك هياكل القطاع العام –الوحدات الاقتصـادية الضـخمة التابعة للدولة - إلى مؤسسات صغيرة الحجم ومن هنا بدا الاهتمام بهذا النوع الجديـد وهو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حيث شهد العالم كله ابتداء من نهايـة القـرن العشرين انتشارا واسعا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حتى أصبحت ميزة مختلـف اقتصاديات دول العالم خاصة المتقدمة منها وابرز الأمثلة على ذلك الاقتصاد الياباني فقد ساهم هذا النوع من المؤسسات مساهمة فعالة وبارزة في إحداث التقدم والتنميـة الاقتصادية والاجتماعية وتتزايد أهمية هذه المؤسسات في الحياة الاقتصادية المعاصرة بـالنظر إلـى الدور الذي تضطلع به سواء على مستوى المؤسسة من حيث قيام مؤسسة اقتصـادية بإشباع حاجة صاحبها من اليد العاملة وتوظيف رأس المال أو على المستوى الكلـي بالمساهمة في خلق مناصب الشغل ومحاربة البطالة ففي الاقتصاد الأمريكـي مـثلا وفرت هذه المؤسسات نحو تسعين بالمائة من إجمالي الوظائف الجديدة المنشاة والتي بلغ عددها حوالي 11 مليون وظيفة جديدة خلال الفتـرة 1993 - 1998 وحـوالي 7.55 بالمائة من إجمالي فرص العمل في كل من اليابان وكوريا .
وإذا كانت هذه المؤسسات مهمة في الدول المتقدمة فهي أكثر أهمية في الدول النامية التي تعاني من اختلالات كبيرة في اقتصادياتها وإلى جانب مساهمتها الكبيرة في الناتج القومي فإنها تساهم في توفير فرص العمل لأفراد المجتمع والتقليل من حدة البطالة ولقد ساهمت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الفلبين مثلا بنسبة 74 بالمائة من فرص العمل ، 63 بالمائة في تنزانيا و 88 بالمائة في اندونيسيا و 58 بالمائة فـي الهند ، ويرجع ذلك لتميز هذه المؤسسات الإبداعية والكفـاءة الإنتاجيـة وا لمرونـة وسرعة اتخاذ القرارات وسيادة الروح الجماعية لدى المؤسسين الأمر الذي سـاعدها على التطور السريع ، وهذا ما يساهم في التوسع الاقتصادي وتحقيق النمو إلى جانب دورها الاقتصادي والاجتماعي .
وهذا ما سنحاول التعرض له في هذه الدراسة وهو الوقوف عند المؤسسـات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر ومحاولة التركيز على جوانب محددة وهي واقع هذه المؤسسات من خلال التطرق لتعريف محدد ومضبوط وكـذا التعـرف علـى دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وهذا من خلال طرح التساؤل الرئيسي وهو :
ماذا نعني بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ؟ وماهو دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟
مفهوم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
إن محاولة تحديد مفهوم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، مع توضـيح مـن جهة معالمها من التنظيمات الأخر -ى المؤسسات المنزلية والحرفيـة والمؤسسـات الكبيرة - ومن جهة أخرى مجالات تدخلها ، تطرح نفسها كضرورة أمام كـل باحـث يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل، وكذلك أمام مقرري السياسة التنمويـة فـي مختلف الدول عند إعدادهم لبرامج إنماء ومساعدة هذه المؤسسات.
1 -إشكالية تحديد مفهوم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
في الحقيقة يصعب تحديد مفهوم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خاصـة إذا علمنا بغياب تعريف لها يكون شاملا وثيـق ا وواضح ا يحظى بالإجماع من قبل كـل الباحثين والمهتمين بهذا القطاع.
وفي دراستنا هذه، رأينا إلزامية الانتهاء إلى تعريـف وتحديد ماهية هذه المؤسسات، مع إظهار الحدود الفاصلة بينها وبين باقي المؤسسات الأخرى، حتى يمكن الوقوف على مكانتها ووزنها في الاقتصاد، ومدى مساهمتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا تحديد سبل ترقيتها والنهوض بها.
أولا الصعوبات والقيود التي تواجه الباحث في تحديد مفهوم يلقى القبول مـن كل المهتمين بهذا القطاع على مستوى مختلف المنظمات والهيئات الوطنية ومن ثمـة إمكانية الوصول بتعريف يمكن أن يكون مقبولا على المستوى الدولي ينطبـق علـى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على اختلاف أوجه نشاطها، وهذه القيود كما سنرى عديدة، منها ما يطرح على المستوى الكلى، ومنها ما يخص المؤسسة في حد ذاتهـ ا، حيث نخلص بعد طرحنا لتلك الصعوبات إلى نتيجة مفادها أن هناك شبه إجماع حول جملة من المعايير يمكن الاستناد إليها عند محاولة تعريف هذه المؤسسات، نجمعها في نوعين أساسين، وهي المعايير الكمية و المعايير النوعية، وبافتراض أن كل تعريـف يجب أن يجمع بين النوعين مـن المعايير، نحاول التطرق إلـى بعـض التعـاريف الرسمية أو شبه الرسمية، إدارية كانت أم قانونية، مطبقة في بعض البلدان من بينهـا التعريف الذي اعتمدته الجزائر في تحديدها لقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
صعوبة تعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
ثمة صعوبات كبيرة في وضع تعريف واضح خاص بالمؤسسات الصـغيرة والمتوسطة، يكون مقبولا و يحظى بإجماع مختلف الأطراف المهتمة بهـذا القطـاع، وذلك باعتراف العديد من الباحثين والمؤلفين، وأيضا باعتراف الهيئات والمنظمـات الدولية المهتمة بالتنمية الاقتصادية وترقية وإنماء المؤسسات الصغيرة والمتوسـط ة، فالأمر ليس بالسهولة التي تبدو ع ند القيام بالمقارنة بين وحدة أو مؤسسـة صـغيرة ومؤسسة أخرى ذات حجم كبير، فالمشكل الذي يطرح يكمن أساسا في وضع الحدود الفاصلة بين هذه الوحدة أو المؤسسة الصغيرة والمتوسطة من جهة والمؤسسة الكبيرة من جهة أخرى، هل هذه الحدود هي نفسها في كل الدول ؟ خاصة عند المقارنة بـين الدول المصنعة والدول النامية، وفي نفس البلد، هل هذه الحدود هـي نفسـها عنـد المـقارنة بين مـؤسسة تجارية ومؤسسة صناعية، إذ باختلاف النشاط تختلف الحدود الفاصلة، إذن هناك عدة قيود تتحكم في إيجاد و وضع تعريف شامل وموحـد لهـذه المؤسسات نتطرق إلى أهم هذه القيود فيما يلي :
أ- اختلاف درجة النمو
إن التفاوت في درجة النمو يقسم العالم إلى مجموعات متباينة، أهمها البلـدان المتقدمة الصناعية والبلدان النامية و ينعكس هذا التفـاوت علـى مسـتوى تطـور التكنولوجية المستعملة في كل دولة، وأيضا في وزن الهياكـل الاقتصـادية ـ مـن مؤسسات ووحدات اقتصادية ـ يترجم ذلك في اختلاف النظرة إلى هذه المؤسسـات والهياكل من بلد إلى أخر، فالمؤسسة الصغيرة والمتوسطة في اليابـان أو الولايـات المتحدة الأمريكية أو في أي بلد مصنع أخر يمكن اعتبارها متوسطة أو كبيـرة فـي الجزائر أو المغرب ، بسبب اختلاف درجة النمو والتطور التكنولوجي بين الولايـات المتحدة الأمريكية واليابان من جهة والجزائر أو المغرب من جهة أخـرى، و بـنفس النظرة، ينطبق نفس الأمر عند المقارنة بين مؤسسة تعتبر كبيرة في موريتانيا أو مالي إذ تعتبر صغيرة في إيطاليا.
فانطلاقا من هذه النظرة نصل إلى نتيجـة أن تعريـف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يختلف من بلد إلى أخر الأمر الـذي يفسـر غيـاب تعريف موحد صالح في جميع الدول.
ب- اختلاف النشاط الاقتصادي
تصنف المؤسسات حسب طبيعة النشاط الذي تمارسه إلى ثلاثـة قطاعـات رئيسية :
- قطاع أولي: يضم مجموع المؤسسات التي تستخدم كعنصر أساسي أحد عوامل الطبيعة، كالزراعة والصيد واستخراج الخامات.
- قطاع ثان : يشمل المؤسسات التي تعمل في ميدان تحويل و إنتاج السلع.
- قطاع ثالث : يمثل قطاع الخدمات، كالنقل و التوزيع و التأمين.
ج - اختلاف فروع النشاط الاقتصادي
يتفرع كل نشاط اقتصادي حسب طبيعته إلـى عـدد كبيـر مـن الفـروع الاقتصادية، فينقسم النشاط التجاري مثلا إلى التجارة بالجملة والتجارة بالتجزئـة، أو إلى التجارة الداخلية والتجارة الخارجية، وينقسم النشاط الصناعي بدوره إلى مؤسسات الصناعة الاستخراجية والصناعة التحويلية، وكل منهما يضـم عـدد مـن الفـروع الصناعية، منها المؤسسات الغذائية وصناعة الغزل والنسيج والمؤسسـات الكيماويـة والصناعة المعدنية الأساسية وصناعة الورق وصناعة الخشب ومنتجاته، وتختلف كل مؤسسة حسب فرع النشاط الذي تنتمي إليه، من حيث كثافـة اليـد العاملـة وحجـم الاستثمارات الذي يتطلبه نشاطها، فمؤسسة صغيرة أو متوسط ة تنشط فـي صـناعة الحديد والصلب تختلف عن مؤسسة أخرى في الصـناعة الغذائيـة أو المؤسسـات النسيجية من حيث الحجم، فهذه الأخيرة قد تعتبر متوسطة أو كبيرة.
2 - معايير تعريف المؤسسات الصغيرة و المتوسطة
رغم الصعوبات التي تواجه عملية وضع تعريف دقيق وشامل لهذا القطـاع، فان اغلب الدراسات والبحوث التي تمت في هذا الشأن وأيضا أغلب المؤلفين يركزون على ضرورة الانتهاء إلى تحديد ماهية هذه المؤسسات بالاعتماد على مختلف المعايير و المؤشرات، فالمؤسسة صغيرة ومتوسطة بحسب حجمها وحسب الخصائص التـي تميزها عن باقي المؤسسات، وفي هذا السياق يمكن أن نميز بين نوعين من المعـايير للتفرقة بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة م ن جهة والمؤسسات الكبيرة من جهـة أخرى ، النوع الأول هو المعايير الكميـة والتـي تصـلح للأغـراض الإحصـائية والتنظيمية، حيث يسهل بمقتضاها جمع البيانات عن المؤسسـات المختلفـة ووضـع الحدود الفاصلة بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة مما يسـاعد الجهـات التنظيمية المسئولة عن مساندة وتدعيم المؤسسات الصغيرة و المتوسطة فـي تحديـد نطاق عملها على وجه دقيق، أما النوع الثاني من المعايير فيعتمـد علـى الفـروق الوظيفية، وهو يصلح لإجراء التحليل الاقتصادي وتقويم كفاءة المؤسسـات وتحديـد الدور الكامن لكلٍ من المؤسسات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة في تحقيـق التنميـة الاقتصادية.
تعاريف وفق المعايير الكمية
إن صغر أو كبر المؤسسة يتحدد بالاستناد إلى جملة من المعايير والمؤشرات الكمية والإحصائية المحدد ة للحجم، يسمح استعمالها بوضع حدود فاصلة بين مختلـف أحجام المؤسسات، ويمكن تقسيم هذه المعايير إلى مجموعتين :
- المجموعة الأولى : وتضم مؤشرات تقنية واقتصادية، نجد من ضمنها كل من:
- عدد العمال.
- التركيب العضوي لرأس المال.
- حجم الإنتاج.
- القيمة المضافة.
- حجم الطاقة المستعملة.
- رأس المال المستثمر.
- رقم الأعمال.

تعليقات
إرسال تعليق